عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

504

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

هؤلاء ما أبكى هؤلاء ، فلما انجلت عنهم العبرةُ قالت له زوجتُهُ : يا أمير المؤمنين ، مم بكيت ؟ قال : ذكرت منصرف القومِ من بين يدي الله - عز وجل - فريق في الجنة وفريق في السعير . ثم صرخ وغشي عليه . وكان آخر خطبة خطبها عَلَى المنبر - رحمه الله - أن حمد الله وأثنى عليه فقال فيها : إنكم لم تُخلقوا عبثاً ، ولن تُتركوا سدى ، وإن لكم معاداً ينزلُ اللهُ فيكم ليحكم بينكم ، ويفصلَ بينكم ، خابَ وخسرَ من خَرَجَ من رحمةِ الله ، وحُرمَ جنَّةً عرضُها السماوات والأرض ، ألم تعلموا أنه لا يأمن غداً إلا من حذرَ الله اليومَ وخافه ، وباعَ نافدًا بباقٍ ، وقليلاً بكثير ، وخوفاً بأمان . ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ، وسيصيرون من بعدكم للباقين ، وكذلك حتى نردَّ إِلَى خيرِ الوارثين ، ثم إنكم تشيعونَ كل يومٍ غاديًا ورائحًا قد قضى نحبه ، وانقضى أجله حتى تغيبوه في صدع من الأرض ، وفي شق صدعٍ ، ثم تتركونَهُ غير ممهَّد ولا موسَّدٍ ، قد فارق الأحبابَ وباشرَ التُّرابَ وواجهَ الحسابَ ، مرتهنٌ بما عمل ، غنيٌّ عما تركَ ، فقيرٌ إِلَى ما قدم ، فاتقوا الله - عز وجل - قبل نزول الموت وحلولِهِ بكم ، أما والله إني لأقول هذا ، وما أعلم عند أحدٍ من الذنوب أكثرَ مما عندي ، وأستغفرُ الله وأتوب إِلَيْهِ ، وما منكم من أحدٍ { له } ( 1 ) حاجة ، لا يتسع له ما عندنا إلا تمنيتُ الله أن يبدأ بي وبخاصّتي حتى يكون عيشُهُ وعيشنا واحدًا ، إنه والله لو أردت غير هذا من غضارَةِ ( 2 ) العيش ، لكان اللسان دلولاً وكنت بأسبابه عالمًا ، ولكن سبق من الله كتاب ناطق وسنة عادلة ، دلَّ فيها عَلَى طاعته ونهى فيها عن معصيته . ثم رَفعَ طرَفَ ردائه وبكى حتى شهق وأبكى من حوله ، ثم نزل ولم يخطب بعدها حتى مات - رحمه الله . وكتب عمر إِلَى عاملِهِ عَلَى البصرة :

--> ( 1 ) ليست بالأصل ، وأثبتها لتناسب السياق . ( 2 ) الغضارة : النعمة والسعة في العيش . " لسان العرب " مادة : ( غضر ) .